ساسي سالم الحاج

118

نقد الخطاب الاستشراقي

وتقوم أصالته على أنه وضّح هذه الأفكار وفصّلها وقدمها قوية بإلحاحه على ناحية منها أو أخرى ، وأخيرا جمع كل شيء حول شخص محمد وحول رسالته الخاصة كرسول للّه ، ولا شك في أن الوحي والنبوة فكرتان يهوديتان مسيحيتان وليس القول : إن اللّه يظهر نفسه بواسطة شخص محمد مجرد ترديد بسيط للماضي بل هو جزء من انبثاق مبدع « 1 » . ويتعرّض « سير وليام موير » لهذه الفترة من السيرة النبوية ويعرضها عرضا تاريخيّا خاليا من التحليل والنتائج العلمية إلّا فيما ندر . ويقول في هذا الصدد : إنه عندما بلغ محمد الأربعين من عمره أصبح دائم التفكير ومحبّا للخلوة ، متأملا في الظواهر الكونية المحيطة به إبّان تحنّثه في غار حراء ، مفكرا في مصير قومه ، ومشكّكا في عبادتهم وفي التعاليم اليهودية والنصرانية التي لم ترض شعوره الديني والتي كانت تضغط بشدة على عقليته . وهذه الأمور مجتمعة قادته إلى الوحدة في غار حراء يتأمل مفكرا في إيجاد حلول لها ، وأحيانا كانت زوجته الوفيّة ترافقه إلى هذا المكان . وبدلا من أن تطمئنه هذه الخلوة والوحدة وتحدّ من قلقه ، جعلته أكثر قلقا وأكثر تلهفا على الوصول إلى ما يطمئن ضميره ، وأصبح خائفا من أن يدركه الموت كما أدرك زيد بن عمرو بن نفيل « 2 » قبل أن يصل إلى الحقيقة التي يبحث عنها « 3 » . ويعتمد « موير » على العديد من السور والآيات القرآنية التي حاول من خلالها إيضاح عقلية الرسول ، وطريقة تفكيره ، ونوع الرسالة التي جاء بها ، وعلاقة أفكاره بالطبيعة المحيطة بها ، وتأثيرها في مصير دعوته وكيفية تطورها ليصل في النهاية إلى نتيجة مفادها أن محمدا قد شغل بهذه القضايا جميعا ، ومن خلال تفكيره فيها عبّر عنها بهذه الآيات التي قال عنها : إنها موجهة إليه من اللّه . بل إن « موير » ذهب إلى أبعد من

--> ( 1 ) المرجع السابق ، ص 141 . ( 2 ) يقصد موير « بزيد » هو زيد بن عمرو بن نفيل الذي شك في ديانة قريش ، وأخذ يبحث عن الدين الصحيح ، وكان من الحنفاء ، وكان يقول : « اللهم لو أني أعلم أي وجه أحب إليك لعبدتك به ، ولكني لا أعلمه ثم يسجد على راحته » ونسب إليه العديد من الأمثال والأشعار المتسمة بالوحدانية حتى قيل عنه أن الرسول قال عنه : « إنه يبعث أمة وحدة » . وقد انتهى قتيلا في بلاد لخم في طريقه إلى الشام ، وهكذا مات قبل أن يصل إلى الحقيقة الدينية التي يبحث عنها . ( 3 ) Willian Muir , Life of Mahomet , V . II , op . cit , p . 57 .